برامج اصدقاء العاب ابحاث مشكلات دردشه كل ما هو جديدفى عالم الموضه الازياء الجمال

الاثنين، 27 يوليو، 2009

النقد الادبي

مقدمة
النقد الأدبي هو علما من العلوم الإنسانية تنحدر كلمة النقد criticism من الفعل اليوناني krinein ومعناه في الأصل الحكم أو التفكير «١» وعليه يمكننا تعريف جوهر النقد على النحو الآتي: يقوم جوهر النقد الأدبي أولاً على الكشف عن جوانب النضج الفني في النتاج الأدبي وتمييزها مما سواها عن طريق الشرح والتعليل ثم يأتي بعد ذلك الحكم العام عليها «٢». ويؤكد الدكتور محمد غنيمي هلال، وهو أستاذ النقد والأدب المقارن بجامعة القاهرة أن أنسب المعاني الذي أخذ عنها النقد الأدبي في العربية هو تمييز جيد العملة الفضية أو الذهبية من زائفها ، ممايستلزم الخبرة والفكر ثم الحكم «٣». إذن فعملية النقد هي عملية تذوق وتفهم للأثر الأدبي ، وأقدم صورة للنقد الأدبي نقد الكاتب أو الشاعر لما ينتجه- ساعة خلقه لعمله- يعتمد في ذلك دربة ومران وسعة اطلاع. وتقتصر أهمية هذا النوع من النقد في تقاليد التمهيد والمقدمة أو التوطئة التي تسبق الأثر الأدبي، فالتمهيد في مسرحية «الدكتور فاوستس» للشاعر والمسرحي البريطاني كريستوفر مارلو يوجه القراء أو المشاهدين نحو السبيل الأمثل لمتابعة أحداث التراجيديا المذكورة. يقول التمهيد: انظروا إلى فاوستس: لقد حاول قصارى جهوده لينال معرفة تفوق مقدرات البشر ، فلجأ إلى السحر، فعاقبه الله على ذنبه هذا «٤»لأن الله عز وجل وحده يحيي ويميت.
إن قراءة د. محمد غنيمي هلال للتراث النقدي العربي قراءة تعي منذ اللحظة الأولى أنها تأويلا فلا تتوقف عند حدود "التلقي المباشر" بل تساهم بوعي في إنتاج وجهة النظر التي يحملها، أو يتحملها الخطاب النقدي القديم، فهي لا تقف عند حدود "العرض "أو "التخليص"بل تريد إعادة بناء الخطاب النقدي العربي القديم بشكل يكون أقوى تعبيرا عن وجهات النظر التي يبغي التعبير عنها والنتائج التي يهدف الوصول إليها.
ونسجل كذلك أن تعامل د.محمد غنيمي هلال مع التراث النقدي يكتسي صبغة الانتقائية فهو يعيد تشكيل النصوص النقدية بشكل يبرر مواقفه ومنطقاته المسبقة المتشبعة بالثقافة الغربية مما جعله يقص مجموعة من النصوص النقدية التي ابتعدت عن الخط الذي رسمه لرؤيته النقدية شيء حتم عليه التعامل مع الموروث النقدي كنظرية قائمة بذاتها وليس كممارسة تطبيقية.








الفصـــل الأول








المبحث الأول : اتجاهات محمد غنيمي
نبذه عن محمد غنيمي
ولد في 15/ أكتوبر/1958 بمحافظة المنوفية (جمهورية مصر العربية) هذه المحافظة شهدت مولد السادات والرئيس مبارك، في السابعة دفعه أخيه الأكبر إبراهيم للالتحاق بفرقة قصر الثقافة المسرحية بشبين الكوم. اشترك في تمثيل مسرحية "عمر يعود من جديد" رؤية تاريخية من تأليف أخيه، وقد لاقت المسرحية نجاح كبيرا وفازت بجوائز عديدة. اثناء دراسته .مارس هواية الكتابة وبدأ بتحرير مجلات الحائط حفظ كثيرا من المسرحيات لكبار كتاب المسرح في العالم خاصة التي قام ببطولتها ثم تحول إلي الكتابة مباشرة تأثر بالأديب تيودور دوستويفسكي وبتراركه وبكاتشو ومن مصر الدكتور زكي نجيب محمود وتوفيق الحكيم ويوسف ادريس، درس في الفلسفة والعلوم الإنسانية وكتب الشعر بجانب القصة. عام 1990 حصل علي الجنسية الإيطالية*
عام 1994 ظهر أول عمل روائي له بعنوان "سر برهومه" وبدا واضحا من روايته الجمع بين الثقافة الغربية والشرقية وقد تبنت جمعية الثقافة العالمية "ليس كلتورز" نشر أولي رواياته "سر برهومة" وقد اختير عضو شرف بالجمعية. ونتيجة لنجاح روايته "سر برهومه" أعيد طباعتها ونشرها عن طريق دار"فارا ايدتوري" بمدينة ريمني وقد تناولتها معظم الصحف والمجلات الأوربية بالنقد والدراسة عام 1995 نشرت روايته الثانية (عندما تتساقط الأقنعة) عن طريق جمعية الثقافة العالمية وقد قام بتصميم الغلاف سفير مصر بمدينة ميلانو الفنان عصام حنفي عام 1997 البرلمان الأوربي يعلن عام97 "عاما ضد العنصرية" فتختار جمعية الثقافة العالمية الشاعر محمد غنيم وتكلفة بالكتابة والتنظير في هذا الموضوع فيكتب أولى دواوينه الشعرية(نشيد الحب)الذي وصف بأنه نشيد الإنشاد، وتختار جمعية الثقافة قصيدة" الليلة الحالكة" وتصبح هذه القصيدة خط الدفاع عن المبادئ التي تسعي الجمعية لترسيخها، وفي نفس العام يشترك في مسابقة "اكس ترا" بقصة (الوجهه الشمالية)ويتم اختيارها للنشر في انطولوجيا ذكريات في حقيبة في المهرجان الأدبي الثالث. عام 1998
تقوم دار فارا بإصدار مجموعته القصصية (ورقة التين وقصصا أخري) "عندما يسقط القناع" "ذات المنديل الأبيض" الكير""اليد الخفيه"المتضخم "ونشيد الحرية"، هذه المجموعة القصصية ماهي إلا عبارة عن عالم صغير من كابوس يحمل بين طياته البحث "عن اتزان مع الإرادة والرغبة فيالحب
عام 1999 قامت دار بيربللو للنشر بنشر قصته "النسر السحري "للأطفال ووزع علي أطفال المدارس حيث نال إعجابهم وقد نفذت الطبعة الأولي وفي نفس العام نشر كتاب اخر "مائه من الذكريات من اجل الف سنه مقبلة" كتاب اخر تم نشره بمعرفة "بيربللو" يجمع مائة ذكرى مهمة حيث تبرز قصيدة الممر وقد تم عرضها في مزاد بمدينة الليكو بإيطاليا من اجل الأعمال الخيرية عام 1999 – 2000أدرجت جامعة الطلبة بروما"كلية علوم التكوين"سر برهومة"في احتياطي البرنامج الدراسي لتحسين المستوي غير الحضوري في التربية المتعددة الثقافات عام 2000. ادرجت جامعة الطلبة ببولونيا "كلية اللغات الأجنبية "رواية سر برهومه و الوجهة الشمالية" في البرنامج الدراسي دراسة السيسولوجيا للأداب عام 2003م. أصدر ديوان شعر "حمامات متقلصة" عن طريق دار فار ادتوري للنشر وقد فاز ديوان حمامات متقلصة على ما يقرب من عشرة جوائز دولية ووطنية عام 2003 صدرت روايته "سر برهومة" باللغة العربية وطبعت ووزعت عن طريق أخبار اليوم بمصر"ترجمة عن الإيطالية" وفى نفس العام اسس جريدة أخبار الجمهورية والعالم عام 2005 أسس جريدة الجمهورية والعالم بمصر عام 2006 صدرت رواية العودة عن دار فارا للنشر شارك في العديد من الندوات والأمسيات الثقافية والشعرية وجهت إليه الدعوة من بعض المدارس الإيطالية لإلقاء بعض المحاضرات وكان أبرزها عن التعايش السلمي بين الأديان عضو مجلس إدارة بجمعية مستثمري النوبارية "بالبحيرة" ورئيس لجنة الشئون الخارجية عضو بجمعية الثقافة العالمية بإيطاليا ليس كلتورز عضو هيئة التحكيم بمسابقة الكتاب والشعراء بمديرية التعليم بمدينة الليكو بإيطاليا صاحب ورئيس مجلس إدارة جريدة الجمهورية والعالم

أولا : اتجاهات النقد.
حصرها الدكتور محمد غنيمي هلال في ثلاثة وهي:
اتجاه أولي: لا يهتم إلا بالأحكام العامة دون تبرير لها, وذلك مثلما هو الحال في نقد الشعراء العرب لبعضهم البعض مما يروى في أسواق الجاهلية ونظيرها في الإسلام كسوق المربد بالبصرة، أي أن أصحاب هذا الاتجاه في النقد والتقويم لم يحتكموا إلا إلى ذوق الصفوة من الجمهور, والثقة في ذلك الذوق دون الاحتكام إلى أية أسس فنية أو أية مبررات موضوعية (1).
ومع أننا نرى أن الاحتكام هنا لم يكن مرجعه ذوق الصفوة من الجمهور بقدر ما كان مرجعه ذات الشاعر, الناقد نفسه, ورغبته في عكس تجربته على كل تجارب الشعراء من حوله, ورؤية كل تلك الرؤى من خلال رؤيته الخاصة, فإننا نرى أيضا أن وصف تلك الأحكام بالانطباعية التأثرية وصف يقلل من قيمتها, مع أن النظرة المتأنية لتلك الأحكام الأولية تنتهي إلى أنها تتضمن في أذهان قائليها ما يبررها. وأن الكثير من المعايير النقدية التي جرى ذكرها فيما بعد على لسان نقادنا القدامى قد تولدت عنها, فعلى سبيل المثال نجد أن معيار البلوغ بالمعنى إلى أقصى غاياته أي الوصول إلى "شرف المعنى" معيار ظهر بطريقة ضمنية في نقد النابغة لقول حسان بن ثابت في قوله:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
على أساس أن حسان قال: "جفنات" و"أسيافنا", وهما جمع لأدنى العدد, والأفضل جفان, وسيوف, وهما جمع لكثير العدد, وقال: "بالضحى" ولم يقل "بالدجى", وقال:"يقطرن" ولم يقل يجرين"(2).
وقريب من هذا معيار الإصابة في الوصف, ونمثله بالخبر المروى عن مفاضلة أم جندب بين زوجها امرئ القيس وعلقمة بن عبدة, وذلك في قول امرئ القيس:
فللسوط الهوب وللساق درة وللزجر منه وقع أخرج مهذب
وقول علقمة:
فأدركهن ثانيا من عنانه يمر كمر الرائح المتحل
وتفضيلها لبيت علقمة على بيت امرئ القيس متمثل في كون الأول لم يجهد فرسه ولم يتعبه بينما زجره الثاني وأجهده بسوطه(3).
ب- اتجاه نقدي جديد: ظهر في العصر الأموي, يحتكم فيه أصحابه إلى تقاليد العرب وعاداتهم وحياتهم العاطفية, وترجع جدة هذا الاتجاه في نظر د. محمد غنيمي هلال إلى أن احتكامه إلى التقاليد والعرف السابق كان بمثابة التعليل الموضوعي للأحكام(4). وكأن أصحاب الاتجاه الأول لا يحتكمون إلى أية تقاليد أو أعراف فاسمعه يقول: "ولعل أقرب مثل نضربه لذلك هو المجلس الأدبي الذي اجتمع فيه عمر بن أبي ربيعة, والأحوص بن محمد, ونصيب ثم كثير الذي حكم على عمر في بعض –غزلياته- أنه أراد أن يتغزل بصبيته فتغزل بنفسه, ثم مدح الأحوص في أنه سار على التقليد العربي في قصيدة من قصائده حين صور خضوعه لمحبوبته, ومن هذه القصيدة قوله:
لقد منعت معروفها أم جعفر وإني إلى معروفها لفقير
ثم رجع كثير فذم الأحوص حين خرج على تقليد آخر, هو إصرار الحبيب على دوام العاطفة على الرغم من هجر الحبيبة له, وهو تقليد عام في الغزل العربي يخرج عليه الأحوص بقوله:
فان تصلي أصلك, وان تعودي لهجر بعد وصلك لا أبالي
فعلق كثير على البيت السابق متوجها إلى الأحوص قائلا: "أما والله لو كنت من فحول الشعراء لباليت, هلا قلت كما قال هذا (وضرب بيده على جنب نصيب):
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب وقل: إن تملينا فما ملك القلب (5)
وإذا تأملنا هذا المثل الذي جاء به د. محمد غنيمي هلال، وجدناه لا يخرج كثيرا عما كان يحدث بين الشعراء قبل العصر الأموي وفي أسواق الجاهلية.
ج) اتجاه تجديدي: ظهر في العصر العباسي, وتأثر فيه النقد العربي بالنقد اليوناني, ويرى د. محمد غنيمي هلال أن الجاحظ خير من يمثل هذا الاتجاه سواء في دعوته إلى "القران" أو في تحذيره للشعراء من بناء قصائدهم على الحكمة فحسب(6). ولعله يهدف إلى التأكيد على أن النقد العربي متأثر بالنقد اليوناني وذلك اعتمادا على ما جاء به الجاحظ حين دعا إلى "القران" و"المؤاخذة" بين الأبيات مع أن الجاحظ قد استعار هذا المصطلح من الشاعر الأموي رؤبة عندما عاب شعر ابنه عقبة وقال: "ليس لشعره قران"(7). فليس هو بالواضع للمصطلح ولا بالمحدد لدلالته.
وتجدر الإشارة أنه مع توفر الترجمة في حقبة الجاحظ فإنها كانت تحتاج إلى وقت طويل تتمثل فيه وتهضم حتى يحدث التأثير والتأثر وعليه نقر من البدء أن القول بان الجاحظ تأثر بأرسطو قول مردود لم يحظ بالاتفاق ود. محمد غنيمي هلال ممن يرون أن الشراح العرب لأرسطو وحدهم اعتنوا"بالنقد النظري لأرسطو, دون محاولة ممارسته على نحو فعال, في حين لم يعن النقاد بفلسفة النقد, لأن النقد ظل في أذهان العرب منفصلا في جوهره, عن الفلسفة"(8).



المبحث الثاني : السيرة النقدية

يبدو من الوهلة الأولى أن د. محمد غنيمي هلال معجب بالفكر اليوناني عامة والأرسطي خاصة, وهذا ما يفسر قراءته للتراث النقدي العربي بعين أرسطية تقيس كل شيء, في هذا التراث بالمقياس الأرسطي, فما قبله واصطفاه فهو مقبول, وما مجه ونفاه فهو مرفوض, فكان ينتقي الظواهر النقدية موضوع الدراسة, ويترك بعضها ويمر على أخرى مرورا عابرا أو يقوم بتأويلها بما يتلاءم ومقصده الرامي إلى رد كل قيمة إيجابية في تراثها النقدي والبلاغي إلى مصادر أرسطية.
تنوعت مناهج د. محمد غنيمي هلال في نظرته تلك بين منهج وصفي ومنهج مقارن غالبا, ثم منهج تقويمي في بعض الأحيان, فهو:
1- يستهل حديثه عن ظاهرة ما بحكم عام مسبق يتبعه بوصف للظواهر المدعمة والمؤكدة لهذا الحكم, ثم يتبع ذلك بمقارنة بين الظاهرة في البيئتين العربية واليونانية, مبرزا ملامح التأثر العربي بالفكرة الأرسطية إيجابا أو سلبا.
2- يبدأ بوصف الظاهرة في الفكر الأرسطي ويأتي بمثيل لها في النقد العربي, وهنا تأتي المقارنة الضمنية, ويكون الحكم مفهوما بالطبع من سياق الكلام.
3- أنه يكتفي ببيان قيمة بعض الظواهر النقدية عند العرب دون وصفها, ومن ذلك حديثه عن قيمة الوجوه البلاغية.
4- أنه يسهب في وصف بعض الظواهر النقدية ويتجلى ذلك في حديثه عن حدود الشعر ومعاييره, وعن الغلو والمبالغة وما إلى ذلك.
ومع تعدد مناهج د. محمد غنيمي هلال تلاحظ توحد أسلوبه في المعالجة, فهو يعتمد على تقسيم التراث النقدي إلى محورين:
- المحور الأول: يتناول قضايا تتصل بوحدة العمل الفني جملة, وفيه يعرض لأجناس الأدب الشعرية والنثرية, وترتيب أجزاء القول, ثم الأهداف الإنسانية للأدب في النقد العربي.
- المحور الثاني: يتناول فيه القيم الجمالية سواء أكانت في الوجوه البلاغية أم النقدية، ويستهل هذا التقسيم بفصل يبرز فيه أهم الاتجاهات النقدية عند العرب لا يقصد التأريخ لها, وإنما استنباط خصائص النقد واتجاهاته العامة, والكشف عن مصادرها وصالتها. ويمكن تتبع آراء د. محمد غنيمي هلال وهو يعيد قراءة التراث أسلوبا ومنهجا انطلاقا من المعطيات التالية:
ويقول محمد غنيمي أن الأثر اليوناني على النقد العربي كان ضئيل القيمة, وان كنا لا ننفي اثر اليونان في بعض الفنون التصويرية خاصة النفعية كالنقش في فن النجارة. صحيح, أن العرب ربطوا –كأرسطو- بين الشعر والصناعات والحرف المعروفة لهم, واستمدوا من تلك الصناعات بعض اصطلاحاتهم كالترخيم والترصيع والتطريز والتسهيم, والتو شيح وما إلى ذلك... والعرب لم يستفيدوا من الصلة بين الشعر والموسيقى مثلما استفاد اليونان. والسبب في ذلك واضح وهو أن الموسيقى –أو النشيد- كانت عنصرا ثانويا, من عناصر التراجيديا المتصلة بالتمثيل المسرحي, وأيضا لأن الشعر والرسم والموسيقى تتفق في اصل مشترك بينهما ألا وهو قيام كل منهما على المحاكاة للطبيعة (9) بينما لم يكن الأمر كذلك في الشعر الغنائي العربي, وإذا كان العرب لم يربطوا بين الشعر والموسيقى ربطا صريحا فهم ربطوا بين الشعر وفن آخر وثيق الصلة بالموسيقى وهو "فن الغناء" وذلك إلى الحد الذي عد بعضهم الغناء ميزان الشعر(10), وأيضا إلى الحد الذي أدى ببعض الشعراء تحت تأثير الغناء إلى اللجوء إلى الأوزان القصيرة و المجزوءة حتى يتيحوا للمغنيين والمغنيات أن يحملوا شعرهم ما يريدون من ألحان وأنغام جديدة... ولا يمكن القول إن الغناء في هذا العصر قد تأثر بمؤثرات رومية وفارسية قدمت مع الفتوحات الإسلامية, لان الصلة بين الشعر والغناء عند العرب أقدم من ذلك, وقصة النابغة مع أهل يثرب خير ما يؤكد تلك الصلة, وذلك عندما قدم يثرب وأنشد أهلها شعرا فيه إقواء وأرادوا أن يخبروه بما في شعره من عاهة, فاحضروا له مغنية وطلبوا منها أن تمد الصوت في حرف الروي, ومن تم فطن النابغة إلى ما في شعره من عيب فغيره, وقال: "وردت يثرب وفي شعري شيء, وخرجت وأنا أشعر الناس"(11), بخلاف هذا الربط بين الشعر والفنون النفعية يرى د. محمد غنيمي هلال أن العرب لم يستفيدوا من حديث أرسطو عن الخيال والمحاكاة إلا ما ذكره في التقليل من شأن الخيال "وضرورة وصـاية العقل عليه والخلط بينه وبــين الوهم"(12)... أي أن النقاد العرب –في نظره- لم يتجاوزوا ما ذكره أرسطو في الحط من شأن الخيال مقابل الإعلاء من شأن العقل. وإذا كان العرب أو شّراح أرسطو قد تبعوا اثر أرسطو في تقييد الخيال بقيود عقلية وذلك في نصوص للفارابي وابن سينا و غيرهما. وفي تقيد المبالغة بالألفاظ المقربة للحقيقة مثل: يكاد, ولو, وغيرهما عند بعض النقاد العرب, فلم يكن من المتوقع منهم مجاوزة ذلك إلى المفهوم الحديث للخيال عند الرومانتيكيين وكانت من أنه: "عملية توليد الصورة التي وظيفتها تصوير الحقائق النفسية والأدبية".
ويرى د. محمد غنيمي هلال "أن من العبث أن تربط بين الخيال والصورة في النقد القديم لأن كليهما ذو مفهوم مستقل عن الأخر" مع أن الربط بينهما متحقق لدى الشراح العرب لأرسطو, لكن ليس على أن الصورة وليدة الخيال أو اثر من آثاره, وإنما على أنها مرادفة وقرينة له (13).
وينتقل محمد غنيمي هلال للحديث عن عمود الشعر عند العرب موازنا بين منهج النقاد العرب ومنهج أرسطو في هذا الصدد, ويرى إن أرسطو تتبع أثار الأدب اليوناني واستخلص منها الاتجاهات القومية والعناصر الناضجة "وباسمها عاب أرسطو كبار شعراء اليونان, وباسمها كذلك مدح بعض الشعراء الادنين مكانة حين رآهم يجيدون في بعض نواحي نتاجهم الأدبي, ولكن نقاد العرب كانوا في عمود الشعر أساري التقاليد لما ورثوا من تراث شعر".(14)
والملاحظ أن د. محمد غنيمي هلال عرض لعناصر عمود الشعر كما هي مدونة لدى المرزوقي في كتابه شرح ديوان الحماسة, والقلقشندى في كتابه صبح الأعشى فوضح كل معنى وكل عنصر من عناصر عمود الشعر (جزالة اللفظ واستقامته, والمشاكلة للمعنى, وشدة اقتضائه للقافية, والإصابة في الوصف...) ووضع له معيارا يميزه عن غيره.
والواقع أنه قد وفق إلى ابعد حد في تحديد مصطلحات عمود الشعر وتأكيد مفاهميها, وما نضيفه في هذا الصدد هو انه قد غض الطرف عما ذكره المرزوقي من أن العرب لم تشترط توفر هذه العناصر كلها فمن لم "يجمعها كلها فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان" (15).
ينتقل بعد ذلك د. محمد غنيمي هلال إلى الحديث عن أجناس الأدب الشعرية والنثرية, ولان الكثير من الأجناس الشعرية المعروفة عند العرب لم توضع تحت المجهر الارسطي من قبل, فقد التزم في معالجتها منهجا وصفيا, تندر فيه المقارنة على غير عادته, ولذا قصر حديثه عنها في جنسين وهما: المديح والغزل، وفي حديثه عن المديح يرصد الملامح العامة لهذا الفن عند العرب, ويجمل حديثهم عن ذلك في أمرين:
أ- صفات المدح والتصرف بها على حسب طبقات الممدوحين: ويقتصر على ما ذكره قدام حول المدح بالصفات النفسية دون غيرها من الصفات الجسدية, مبينا تأثره بأرسطو في حديثه عن أجزاء الفضيلة, وأخذا عليه في الوقت نفسه تهافت تقسيماته وتداخلها.
ب) مطالع القصائد من حيث التقليد والتجديد, ويذكر أن الغزل لم يصبح جنساا أدبيا مستقلا إلا في العصر الأموي وما بقي لنا من الغزل الجاهلي لا يخرج عن كونه مجرد مقدمة لقصائد المديح.
ويبرر لطبيعة الغزل عند العرب في الإكثار من الأدلة على التهالك في الصبابة, والإفراط في الوجد واللوعة, وكون المرأة مطلوبة لا طالبة بان ذلك يعود إلى البيئة العربية التي خلقت من العربي فارسا يعتد بالبطولة, ويرى أن المخاطرة في سبيل قبيلته وحمايتها مظهر من مظاهر رجولته ثم إلى البيئة بما حفلت به من شظف العيش وجهده, فكان طبيعيا أن تشغل المرأة فراغ ذلك المجتمع البدوي الذي تعوزه الكثير من المتع والفنون التي تألفها المجتمعات المتحضرة, ويبين أن الغزل الإباحي ظهر منذ العصر الجاهلي, واستمر في عهد بني أمية حين ظل الحجاز في عزلته السياسية, وانصرف همّ بعض الشباب المترفين إلى اللهو والاستجابة لداعي الهوى, ولكون روح الفروسية كانت قد ضعفت عن ذي قبل فقد أدى هذا إلى النيل من مكانة المرأة. ثم تطور هذا النوع من الغزل الحاجب على يد بعض الشعراء كبشار وأبي نواس إلى التغزل بالمذكر والجواري والغلمان, خاصة في مدن الحجاز التي انطوت على نفسها بعد أن فشل الحجاز في استرداد مكانته السياسية, فتوجه همّ عملائه إلى البحث في مسائل الدين, وانصرف أكثر شعراء المدن فيه إلى حياة اللهو والترف, أما بادية الحجاز فقد احتفظت بالعادات والتقاليد العربية, ولم يفسدها التحضر الذي أصاب المدن, ومن تم فقد سادها الغزل العذري الذي يتحدث عن الحب العفيف, وعما يلقاه المحب من عذاب, وليست البيئة وحدها هي التي أوجدت هذا النوع من الغزل, ولكن يضاف إلى ذلك بالطبع التأثيرات الإسلامية في خلق إدراك جديد للعاطفة, وذلك فيما دعا إليه الإسلام من جهاد النفس, ومقاومة الهوى.
ورغم دقة هذا التعليل لتطور فن الغزل عند العرب, والتبرير لشيوع روح الفروسية والزهد في الشعر فان د. محمد غنيمي هلال لم يقف عند الأشعار –مع كثرتها- محللا لها, وكاشفا في الوقت نفسه عن مدى تأثرها بروح الإسلام, واستدل على اثر القيم الإسلامية الروحية في شعر الغزل من بعض الأخبار المبتوتة في كتاب الأغاني لأبي الفرج الاصبهاني وهي أخبار لا تبين بوضوح ذلك التأثر, ويمكن للقارئ ذي الحس النقدي أن يكشف مدى ما فيها من تصنع ومن ذلك ما ذكره د. محمد غنيمي هلال عن رواية صاحب الأغاني من أخبار عبد الرحمن بن عمار الشهير بالقس, وهيامه بسلامة المغنية, أو من أخبار عروة بن حزام وحبيبته عفراء, إن نظرة مدققة تحصي عدد المرات التي قابل فيها القس سلامة, وأماكن اللقاء بينهما خاصة ذاك المكان الذي تتخفف فيه المغنيات من جل ملابسهن, تجعلنا نرتاب في مصداقية تلك الأخبار, أو على الأقل لا نعتد بها كنموذج يشير إلى تأثير الإسلام في خلق إدراك جديد للعاطفة, وقس على هذا أيضا ما روي عن أخبار عروة بن حزام, فليس فيها ما يتفق وروح الإسلام, بل ولا التقاليد العربية, فهل في تلك التقاليد أن يقدم الزوج لامرأته رجلا آخر يعلم ما بينهما من الحب والوجد والشوق ؟ وهل من تأثير الإسلام أن يترك الرجل امرأته في خلوة مع رجل آخر, يتشاكيان لواعج الهوى, وألم الوجد فاسمعه يقول: "وقد وفد على زوج حبيبته عفراء بالشام, فأكرمه الزوج وأحسن مثواه, وخرج وتركه مع عفراء يتحدثان... فلما خلوا تشاكيا... (16)" .
ويستهل د. محمد غنيمي هلال حديثه عن أجناس الأدب النثرية بقوله: " لم يعن النقد العربي بأجناس الأدب الموضوعية في النثر, كما لم يعرفها في الشعر, فلا نعلم فيه شيئا يعتد به خاصا بالقصة عامة, أو المقامة, أو القصة على لسان الحيوان مثلا". في هذه التقدمة تتجلى طريقة د. محمد غنيمي هلال في المعالجة, حيث يبادر بإصدار الحكم مسبقا, وهو حكم عام ينفي نفيا قاطعا أية معرفة للعرب بالنقد الموضوعي في الشعر, ثم يأخذ في التدليل على صحة هذا الحكم, وهو نهج يذكرنا بطرق المعالجة لدى بعض نقادنا القدامى, ولعله في عبارته يقصد أجناس "الأدب الموضوعي" بدلا من "النقد الموضوعي", ويرشح ذلك قوله:"وإنما انحصر هم النقاد في النثر الذاتي, وما يتصل به أي في الخطابة والترسل, والاحتجاج والحديث... وإذا صح هذا فان التبرير لعدم اعتناء العرب بأجناس الأدب الموضوعي يكون مرده إلى اعتدادهم بالشعر الغنائي على انه المثال والنموذج، والى غياب التقاليد الممتدة للأجناس الأخرى في الأدب العربي كما هي لدى اليونانيين.
أما ما ذكره د. محمد غنيمي هلال من أن التراث العربي كالشعر "حافل بضروب الخيال على خلاف ما رأينا في الشعر الموضوعي عند أرسطو الذي لا يحفل بتنميق العبارة كثيرا في المسرحية والملحمة, فله ما يبرره, وهو انه لايحتفي بلغة الشعر الموضوعي قدر الاحتفاء بحبكة العمل, وتعميق الصراع, وترابط الأجزاء طبقا لعنصري الاحتمال والضرورة الفنية كما ذكر أرسطو, أما الشعر الغنائي العربي فقد حفل باللغة, وأعطاها الاهتمام الكافي, لان اللغة مورده الرئيسي إن لم يكن الوحيد، أما أن النثر العربي كالشعر العربي حافل بضروب المجاز فهذا راجع إلى غاية كل من الشعر والنثر وتقاربهما عند النقاد العرب إلى الحد الذي دعا بعضهم كحازم القرطاجني إلى المراوحة بين المعاني الشعرية والخطابية.
ويعقد د. محمد غنيمي هلال فصلا حول تنظيم أجزاء القول يقتدي فيه خطى أرسطو منذ البداية, فيقرر أن هذا المبحث " هو ما عالجه أرسطو في النصف الثاني من الكتاب الثالث من الخطابة... وقد عالجه في الشعر, في الحكاية, وفي الوحدة العضوية(17)، ويعقب على ذلك بان وحدة العمل الفني تقتضي "إدراك الموضوع بما يتضمنه من أفكار... تم تنظيم المعاني بحيث تكون مرئية منسقة لتتجلى وحدها" ويردف ذلك بإشارة القاضي الجرجاني انه "فيما يخص النثر أدراك العرب إدراكا عاما هذا الترتيب كما في الخطابة والرسائل مثلا, ولكن الأوائل في الشعر لم يولوا عنايتهم شيئا من هذا... وإنما حفل بها المحدثون منذ العصر العباسي, نقادا وشعراء, فاخذوا يهتمون بالبدء, وبالانـتقال منه إلى الغرض, ثم بالخاتمة, لأنها المواقف التي تستعطف أسماع الحضور وتسـتمليهم إلى الإصغاء(18) .
صحيح إن العرب اهتموا بمصطلحات البدء, والخاتمة, والتخلص, أو الخروج من غرض إلى آخر, وحفل بها الشعراء المحدثون كما نص على ذلك القاضي الجرجاني, لكن دراسة الظاهرة, أو الوقوف عليها, أو تسميتها, لا يعني عدم وجودها, فعلى سبيل المثال نجد ابن طباطبا -حسب علمي- أول من وضع مصطلح التخلص سواء أكان تخلصا حسنا أو مذموما, ويعني به الانتقال من غرض إلى آخر, دون أن يحدد إن كان هذا الانتقال قد حـدث بتدرج ولطف أم انه انتقال مفاجئ...
د. محمد غنيمي هلال وجد في حديث القاضي الجرجاني السابق ما يؤكد أن الأوائل لم يهتموا بترتيب المعاني في الشعر وإنما حفل بها المحدثون فقط علته في ذلك وجود وجوه بلاغية حول تنظيم أجزاء القول في بناء القصيدة تأثر فيها نقاد العرب بكلام أرسطو، ويذكر من بين تلك الوجوه: حسن الابتداء, وصحة التقسيم, وبراعة الختام, والاستطراد, ثم حسن التخلص والخروج...
وينظر د. محمد غنيمي هلال إلى وحدة القصيدة العربية القديمة من منظور ابن قتيبة لها, فيرى أن بناء القصيدة القديم يقوم على مواصفات عامة بررتها بيئة البدوي في عصور الشعر العربي الأولي ثم أقرتها وجمدتها اعتبارات عمود الشعر كما فهمه نقاد العرب وشرحوه, ففي خيال الشاعر البدوي انه يمتطي ناقته أو جمله للرحلة فيمر بالديار والأطلال فيتذكر صبواته, ثم يصف ما يراه في رحلته من نبات البادية وما يعاني في هذا الشعر كي يصل إلى الممدوح, فيستميله إلى العطاء.... ويتبنى د. محمد غنيمي هلال دعوة الأستاذ العقاد إلى وضع وحدة الشعور محل وحدة البيت لدى القدماء, وان تكون القصيدة ذات وحدة في بنائها لا في موضوعها فحسب, بل تصميمها في التجربة وفي تآزر صورها, لا مجرد أبيات متفرقة يلتحم بعضها ببعض, ولا أغراض متنافرة يجمع بينها تداعي المعاني أو "التداعي النفسي الذي لا يستلزم ارتباطا من نوع ما, سوى ما تبرره البيئة البدوية وخيال الشاعر في هذه الرحلة, وهذا ما يتضح من نص النقاد على التحام أجزاء النظم والتئامها، فالالتحام يقتضي وصلا بين أجزاء لا تربطها وحدة طبيعية... فمبلغ جهدهم أنهم استجادوا وصل الأبيات المتوافقة في داخل كل جزء من أجزاء القصيدة على حدة, ثم لحم هذا الجزء بسواه على سبيل ما سموه:" التخلص" أو "الخروج", وهو في نظرهم ميزة المحدثين, ولكنه لا يخرج القصيدة من نطاق التفكك, وعلى أساس هذا التخلص أو الخروج مدحوا مثل قول المتنبي.
لا والذي هو عالم أن النوى صبر, وان أبا الحسين كريم
فقد انتقل المتنبي من شكوى الوجد والصبابة انتقالا جيدا في نظرهم إلى مدح أبي الحسين, لأنه جعل الأمرين كليهما موضوع علم الله, وعلم الله يسع كل شئ حتى المتضادات, وهذا الجمع للغرضين في مطلق العلم كاف لتبرير الانتقال فنيا لدى أولئك النقاد جميعا(19) .
وفي الفصل الرابع من الكتاب تناول د. محمد غنيمي هلال الأهداف الإنسانية للأدب في النقد العربي فبين رؤيته في بعض القضايا النقدية المطروحة كالصدق, والمبالغة والتخييل, وفي هذا الفصل تجلى منهج د. محمد غنيمي هلال وأسلوبه في المعالجة تمام التجلي, ويستهله بتبني رأي أبي هلال العسكري في أن نقاد العربية الزموا الناثر بتحري الصدق, وذلك لان الخطابة والكتابة مختصتان بأمر الدين والسلطان ولكل منهما مساس بأمر العقيدة، أما الشعر فقد تباين موقف النقاد منه, ويرجع هذا التباين إلى الاختلاف حول الغاية من الشعر, ففي الجاهلية كان من الشعر ما يعد قواعدا للخلق, وديوانا للفضائل, ودامت هذه المكانة للشعر الجاهلي عند المسلمين، وفي هذا ربط للشعر بالأخلاق, وما دامت هذه هي غاية الشعر فلابد فيه من تحري الصدق, والصدق الواقعي خاصة " ثم نال التكسب بالشعر من قدر الشعراء, وهوى بمكانة الشعر نفسه فكانت الخطابة أعلى قدرا منه... وإذا كانت الغاية من هذا التكسب باتت في إرضاء الممدوحين, وإضفاء صفات عليهم ليست فيهم, فطبيعي ألا يلتزم بالواقع وبمحاكاته" (20). وإنما تكون المبالغة والتزييف كما يرى د. محمد غنيمي هلال.











الخاتمة :
ونسجل على د. محمد غنيمي هلال انه وقف عند بيان قيمة الوجوه البلاغية في النقد العربي القديم وأسباب تلك القيمة إن وجدت ولم يهتم ببيان هذه الوجوه البلاغية وذلك لكونه اخذ بآراء النقاد المحافظين, أنصار عمود الشعر دون المجددين منهم مما أبعده حتى عن آراء نقاد آخرين اقروا ما أتى به المحدثون من صور لم ترد عن العرب من قبل, واكتفى ببعض النماذج الشعرية الدالة على استحسان هؤلاء النقاد لخيال المحدثين وتجديداتهم في صنوف المجاز, والمعاني المفردة. وهي الجوانب التي يرى د. محمد غنيمي هلال أن جهد المجددين من الكتاب والشعراء قد انحصر فيها. ولنفس السبب نظر إلى عناصر عمود الشعر على أنها المقاييس العامة الموضوعة لجودة الأخيلة الشعرية, وإذا ما طرح عليه ناقد آخر اعتد بما يضاد هذه العناصر التمس العذر له بتأكيده إن مثل هذه الدراسات الأصلية لم تستمر وتنمو على نحو أوسع وأكثر صقلا بل "مثل هذه الدراسات لم تنمو في النقد العربي عامة, وقد أصابها من الجمود ما أصاب نظيرتها لدى من وازنوا في المعاني والأخيلة بين المحدثين والقدماء".
وفي الفصل الأخير يتحدث د. محمد غنيمي هلال عن القيم الجمالية وعنونه باللفظ والمعنى مستهلا إياه بقوله: "هذه مسالة من مسائل علم الجمال الحديث, شغل بها الاقدمون قبل أن يعالجها العرب", من البدء تستنتج إن منهجه في هذا الفصل سيرتكز على مقايسة المعايير الجمالية للشكل والمضمون / اللفظ والمعنى كما عرفت عند العرب, ويتبع هذا القول بعرض موجز لجماليات الأسلوب كما ارتآها النقاد العرب مقدما بحكم مسبق مفاده قوله: "لم يكد يخرج النقد العربي عن هذه الحدود في علاجه مسألة اللفظ والمعنى" ثم يأخذ في عرض آرا ء النقاد العرب وتفاوت نظرتهم حول محوري القضية: اللفظ والمعنى, فمنهم من يرجع مقومات العمل الأدبي إلى المعنى, ويأتي على رأس هؤلاء أبو عمرا لشيباني والامدي ولاشك أن إدراج الشيباني في أنصار المعنى يأتي من احتفائه بالحكمة, أما أدراج الامدي في هذا الموطن فهو ما لايمكن الأخذ به والنص الذي أورده له د. محمد غنيمي هلال, ومنه: "إن اهتمامه -أبو تمام- بمعانيه أكثر من اهتمامه بتقويم ألفاظه "قول أورده الامدي حكاية عن غيره ولا يتضمن نصرته للمعنى إذ يتجلى في تعريفه للشعر أنه يعتبر الألفاظ المقوم الرئيسي للشعر, يقول: "ليس الشعر عند أهل العـلم به إلا حـسن التأني, وقرب المأخذ, واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها." ويضيف في موطن آخر: "إن حسن التأليف وبراعة الـلفظ يزيد المعنى المكـشوف بهاء وحسنا ورونقا, حتى كأنه قد أحدث فيه غرابة لم تكن، وزيادة لم تعهد, وذلك مذهب البحتري".
ومنهم من يرى في الصياغة المقوم الحق للأدب, وفي هذا الموطن يرادف د. محمد غنيمي هلال بين اللفظ وحسن الصياغة فهو قدم لأنصار المعنى وأنصار اللفظ بقوله: "إن من نقاد العرب من يرجع مقومات العمل الأدبي إلى المعنى وآخرون أرجعوها إلى اللفظ" . كما وضع رأي كل من الجاحظ وابن سنان الخفاجي في نسق واحد, أما ابن سنان الخفاجي فهو من أنصار التصنيف الشهير: فصاحة اللفظ وفصاحة الكلام, والجاحظ لا يهتم بالألفاظ في ذاتها وإنما في صياغتها ونسجها, وقد كفانا عبد القاهر من قبل عناء التنقيب عن ذلك... ومنهم من سوى بين اللفظ والمعنى كبشر بن المعتمر وابن قتيبة, ومنهم " من نظر إلى الألفاظ من جهة دلالتها على معانيها في نظم الكلام, والرأي الأخير أهم الآراء وأكثرها أصالة" . وهو يعني بالطبع رأي عبد القاهر الجرجاني في تلك القضية مستفيدا من آراء السابقين عليه بعد أن أعمل فيها فكره, فأفاد منهم, وتجنب الكثير من جوانب الشطط والتعصب على يد الجامدين. , ويدور حديث د. محمد غنيمي هلال عن فكر عبد القاهر الجرجاني ضمن المحاور التالية:
- وصف نظرية النظم لدى عبد القاهر الجرجاني.
- الوقوف عند السبب الديني الذي دفعه إلى التعمق في هذه القضية ومختلف تجلياتها.
- موقف عبد القاهر الرافض لكل من أنصار اللفظ والمعنى لما في ذلك من مساس بقضية الإعجاز. ويطرح بديلا موضوعيا عن ما رفضه والمتمثل في التلازم بين اللفظ والمعنى "فالعملية الفكرية واحدة, وفيها تتجلى الصورة الأدبية عن طريق صيغتها".
وفي الختام يشيد د.محمد غنيمي هلال بفكر عبد القاهر ونضج بحوثه في مسألة الصياغة والمعنى, موضحا "فضل عبقرية عربية" انتهت بعمق نظراتها في النقد الأدبي إلى نتائج عالمية ذات قيمة خالدة، ولها صلة بفلسفة الجمال في النقد الحديث....".

















المصادر والمراجع

1- البعث والتراث, مجلة أقلام, العدد السابع, ص 154, سنة 1980.
2- النقد الأدبي الحديث: د. محمد غنيمي هلال, ص 155, دار العودة, بيروت, 1987.
3- الموشح المرزباني: ص 55-54. ط 2, المطبعة السلفية, القاهرة, 1385.
4- الادب المقارن – محمد غنيمي هلال ط1 – دار الثقافة .
5- الموقف الادبي – محمد غنيمي هلال – ط1 – دار الثقافة
6- البيان والتبيين, الجاحظ, تحقيق عبد السلام هارون, ج1, ص 228, ط4, دار الفكر, بيروت.
7- فن الشعر: إحسان عباس, ص 13, ط 2, دار الثقافة, بيروت.
8- الموشح المرزباني, ص 37.
9- الرومانتيكية د. محمد غنيمي هلال – القاهرة 1955 م .
10- فن الشعر, عبد الرحمن بدوي, ص 167-168.
11- تاريخ النقد الأدبي عند العرب, د. إحسان عباس, ص 409.
12- منهاج البلغاء وسراج الأدباء, حازم القرطاجني, ص 361.
13- دراسات ونماذج في مذاهب الشعر ونقده, ص 32-35.
14- تحرير التحبير, ابن أبي الأصبع المصري, ص 321.
15- الصناعتين, أبو هلال العسكري, ص 378.
16- أسرار البلاغة, عبد القاهر الجرجاني, ص 264-259-280.
17- الموازنة بين الطائيين للامدي, ص 400.


الفهـــرس

الموضوع الصفحة
مقدمة ................................................................................ 1
الفصل الأول........................................................................ 2
المبحث الأول اتجاهات محمد غنيمي ...................................... 3
نبذة عن محمد غنيمي ................................................................ 3
أولا اتجاهات النقد. ................................................................. 4
المبحث الثاني السيرة النقدية................................................. 7
محاور النقد ........................................................................... 8
الخاتمة .............................................................................. 17
المصادر والمراجع ............................................................. 20

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحبا بالزوار الجدد

الجديد هيلاقي اسمه اول اسم فى القايمه بلون اخضر يضغط عليه كليك ويغيره ويكتب اسم مستعار وكمان يقدر يغير الصورة

اعـــــــز اصحـــــــــاب

شااااااااااااااهد جميع المباريات على قناة الجزيرة

Loading...

اجمل صور

اجمل صور
شاهد ارق الصور